سرعة الضوء

سرعة الضوء

كثيرًا ما كان الضوء مصدر إلهام للشعراء، متمثلًّا في أحد مصادره، كالشمس، والقمر، والنجوم، والسماء، وأيضًا يستخدمه الناس للتعبير عن الابتهاج، والسرور في كثير من المناسبات السعيدة، ولكن العلماء يشغلهم شيئ آخر من الضوء، فهم يصبّون جلّ اهتماماتهم على معرفة ماهيّته، وتعريفه، وسرعته، وكيفية الاستفادة منه، وما إلى ذلك من تلك الأمور الفيزيائيّة المجردة، التي كانت سببًا مباشرًا في نهضة الأمم وتقدمها، وسوف نتناول في مقالنا هذا جانبًا مهمًّا من جوانب الضوء الفيزيائيّة، ألا وهو سرعة الضوء، فتابعونا.

 

ماهيّة الضوء ومفهومه

حتى وقت غير بعيد، كان يعتقد كثير من العلماء، بأن الضوء مكوّن فيزيائيّ ماديّ، ومن هؤلاء الفيزيائيين، العالم الفيزيائيّ نيوتن، حيث كان يعتقد بماديّة الضوء، مستندًا في ذلك إلى بعض الخواص المشتركة بين الضوء، والسلوك المادي لبعض الظواهر الأخرى من الانعكاس، والانكسار.

إلى أن جاء العالم الفيزيئيّ كريستيان هيجز؛ ليثبت الطبيعة الموجيّة للضوء، فانتقل الضوء من المفهوم الماديّ إلى المفهوم الموجيّ، وما يترتب على ذلك من آثار فيزيائيّة تحدد خصائصه الموجيّة.

ومن خلال الطبيعة الموجية للضوء يمكن تعريفه بأنه: “هو موجة تتكون من سيل من الفوتونات المتدفقة، التي تنتقل في خط مستقيم بسرعة فائقة، تمثل ثابتًا فيزيائيًّا “

 

جهود بعض العلماء الكلاسيكيين لقياس سرعة الضوء

يتمتع الضوء بسرعة انتشار فائقة؛ حتى حاول كثير من العلماء في السابق قياسها، باستخدام أدواتهم التقليدية، إلا أنهم عجزوا عن تحقيق غرضهم، ليس لقصور فيهم، ولكن لقلّة أدواتهم العلمية في ذلك الوقت.

ومن أوائل هؤلاء العلماء العالم الفيزيائي جاليليو، فقد حاول جاهدًا قياس سرعة الضوء باستخدام مصباح؛ حيث يقف به واحد من الناس على قمّة جبل، ويقابله آخر على قمة جبل آخر، على بعد معلوم- 1كم – فعندما يضيء الأول المصباح، يرفع الثاني يده عند رؤيته للضوء، ويراقب جاليليو الاثنين، باستخدام ساعة لقياس الوقت المستغرق لرؤية الضوء.

ولسرعة الضوء الفائقة، وبدائية التجربة المستخدمة، لم يتمكن جاليليو من قياس سرعة الضوء، ولكن في نفس الوقت لم يضع جهده هباءً، فكان نبراسًا للاحقين له؛ حتى تمكّنوا مما عجز عنه سابقيهم.  

 

تحديد سرعة الضوء بواسطة الفيزيائيين الحَداثيين

من خلال تحديد ماهيّة الضوء تحديدًا دقيقًا، وأيضا بفضل التقدم العلميّ، وتقدم أدوات القياس التكنولوجيّة، تمكن العلماء من التعامل مع سرعة الضوء وقياسه، مثل العالم الفيزيائيّ “أولي رومر” أول من وضع رقمًا علميًّا لسرعة الضوء، وتمكن العلماء بعد ذلك من قياس سرعة الضوء بدقّة عالية، تصل إلى هامش خطأ صفر ، وسوف نتناول سرعة الضوء، من خلال جهود العلماء، على النحو الآتي:

  • سرعة الضوء في الأوساط الماديّة ليست سواء؛ فهي تختلف من وسط لآخر، وفقًا للتركيب الجزيئي لذلك الوسط، فاستطاع العالم الفيزيائي “أولي رومر” عام 1670م من قياس سرعة الضوء في الهواء، باستخدام ظاهرة الكسوف الشمسي،ّ بأنه يتباطأ عندما يكون كلًّا من كوكب الأرض والمشتري، أبعد ما يكون من بعضهما البعض، وباستخدام بعض المعادلات الرياضية، استطاع حساب سرعة الضوء، والتي قدّرها بحوالى 200000 كم/ ثانية، وذلك بهامش خطأ أقل من 19.%

  • وفي عام 1728م استطاع العالم جيمس برادلي، قياس سرعة الضوء، من خلال مواضع بعض النجوم، وسرعة تغيرها مع دوران الأرض حول الشمس، برقم أكثر دقّة؛ حيث بلغت سرعته 301000 كم/ ث، وذلك بهامش خطأ )1%) أقل بكثير من هامش أولي رومر.

  • ثم جاء العالم هيبوليت فيزو، بفكرة جديدة، وهي استخدام آلة (عجلة مسننة)، تتدور بسرعة في مواجهة الشمس، يليها مرآة عاكسة على بعد خمسة أميال؛ لتعكس الشمس المتذبذبة بواسطة العجلة المسننة مرة أخرى، إلى موقع هيبوليت فيزو، واستطاع قياس الضوء بهامش أقل خطأ من سابقه.

  • ثم توالت الأبحاث من قبل العلماء، لتحديد سرعة الضوء بأكثر دقّة، مثل ليون فوكو، ثم العالم ألبرت ميشلسون، الذي أعاد تجربة كل من هيبوليت فيزو، وفوكو مرة أخرى، ولكن باستخدام مسافة أكبر ومرايا أحدث، فاستطاع تحديد سرعة الضوء بأكثر دقّة وبهامش خطأ صفر، والذي استطاع تحديدها بسرعة 299.792.458 م/ ث، والتي يرمز إليها بالثابت الفيزيائي(C.(

 

كانت سرعة الضوء لغزًا حيّر العلماء، ولكن بفضل جهودهم المتواصلة، استطاعوا قياسه، وكانت معرفة سرعة الضوء، نقطة انطلاق أخرى، لاكتشافٍ جديد في آفاق العلم الذي لا ينتهي.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.