ولادة ابن ماجد ونشأته

ولادة ابن ماجد ونشأته

يحفل التاريخ بالعديد من الشخصيات، التي ذاع صيتها، ولا يزال العالم ينهل من معين علومها، حتى تاريخنا اليوم، تلك الشخصيات جابت أقاصي البحار، وواجهت أعتى الرياح والعواصف؛ لتتحصل على العلوم والمعارف؛ بالتجربة والقياس، ورسم الخرائط، وتسجيل عادات الشعوب، وتقاليدهم، وأهم تجارتهم، ومن هؤلاء العلماء أسد البحار، وأميرها، كما لقّبه على حق العديد من الرحّالة والمؤرخين، إنه الرحّالة البحري ابن ماجد، وهو موضوع مقالنا فتابعونا.

 

مولد ابن ماجد

هو شهاب الدين أحمد بن ماجد بن محمد السيباويّ، ولد سنة 836ھ، في مدينة جلفار، المعروفة برأس الخيمة حاليًا، في دولة الإمارات العربيّة، ولع منذ صغره  بالبحر، فقد كان والده وجده م أشهر البحارين، وكان يصاحب والده في جميع رحلاته البحريّة، وقاد أول رحلة بحرية وهو في السابعة عشر من عمره.

لقّب بالعديد من الأسماء، أشهرها أمير البحر، وأسد البحار، السائح ماجد، وذلك يرجع إلى اتساع علمه بالبحر وأهواله، حتى صار من أعلم أهل الأرض بعلم البحار. 

 

ثقافة ابن ماجد ومناقبه

استطاع ابن ماجد الاستفادة إلى حد كبير من علوم من سبقوه، في مجال علم البحار، وكانت له قدرة عجيبة في تنقيح هذه العلوم، وتصحيح الخطأ الوارد فيها، كما أضاف إليها الكثير مما تعلمه، من خلال تجاربه الشخصية.

ومن أشهر الذين تعلم منهم ابن ماجد، الليث بن كهلان، ومحمد بن شاذان، سهل بن أبان، وقد نعتهم ب” الليوث الثلاثة”، وذلك تقديرًا وعرفانًا لما قدموه في مجال علم البحار.

وكان بن ماجد ذو ثقافة واسعة، فقد أجاد أكثر من لغة، منها الهنديّة والفارسيّة والسواحليّة، وغيرها، وكانت لديه خلفيّة كبيرة في قياسات خطوط  الطول والعرض، ولديه معرفة بالنجوم والبلدان ورسوماتها.

وقد برع في الدراسات الجغرافيّة الميدانيّة، والدراسة الطبيعيّة؛ حيث تمكّن من إعطاء وصفًا دقيقًا للأماكن التي قام بزيارتها؛ فوصف المدن وبحارها وجبالها وسواحلها، وصفًا يغني عن المشاهدة العينيّة.

 

أُطلق عليه عالماً إنثروبولوجياًّ؛ حيث استطاع أن يصف الرياح واتّجاهاتها، وكيفية تأثيرها على الملاحة العربيّة، كذلك تكلم عن أحوال السكان، وعن عاداتهم وتقاليدهم، في كل المناطق التي زارها، كما وصف الاختلاف في درجات الحرارة، وطرق تأثيرها على الكائنات الحيّة.

قام بتحديد الأماكن الأكثر خطورة في البحار والمحيطات؛ لتجنبها، وحماية السفن من مخاطرها، كما قدم العديد من النصائح للتغلب على الظروف الجويّة القاسية، في المنافذ والمضايق البحريّة.

 

أهم مؤلفاته

قدّم أحمد بن ماجد العديد من المؤلفات، المتعلقة بالملاحة والبحار، والتي استمرت لعدة قرون، وظلت نبراسًا لكل من سلك هذا المجال من الربابنة، ومن أشهر هذه المؤلفات:

 

كتاب حاوية الاختصار في أصول علم البحار:

يتكون هذا المؤلف من أحد عشر فصلًا، تناول فيه الكثير من المعلومات القيّمة عن السفر والملاحة، وذكر أسماء البلدان والجزر والسواحل، وتحديد اتجاه القبلة للعديد من البلدان، وكذلك القياسات الهامّة للبحار.

 

كتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد: 

يعدّ هذا الكتاب من أهم المؤلفات العلميّة، التي كتبت في هذا المجال، فقد تناول فيه أهم ما توصل إليه من معارف في علم البحار، حتى القرن الخامس عشر ميلاديًا، كما تحدّث عن أهم الثقافات والعلوم التي يجب أن يعرفها ربّان السفينة، والتي وضعها في صورة أراجيز شعريّة؛ ليسهل تعلمها وحفظها، والتي تزخر بها أغلب مكتبات العالم، منها، أرجوزة بحر العرب، و أرجوزة القبلة، والأرجوزة السبعيّة، والأرجوزة المعرّبة.

 

إسهاماته في علم الجغرافيا

كان للبحارة الرائد ابن ماجد العديد من الإسهامات في مجال البحر، وعلم الجغرافيا، نذكر أهمها فيما يلي:

  • اخترع البوصلة البحرية، والتي مكّنت البحارة من معرفة وجهتهم الصحيحة، وحمايتهم من الضياع في عرض البحار.
  • استخدم الطرق والأساليب العلميّة في دراسة البحر، وقياسه، ووضع مقياس رسم له على الخرائط، التي كان يرسمها، بما هو شبيه الاستخدام في الوقت الحاضر.
  • ساهم في اكتشاف الطريق إلى الهند، عن طريق مساعدة فاسكودي غاما، بمختلف الأدوات الملاحية المتقدّمة مثل، البليستي، واللوح، والكمال، وكذلك الخرائط المختلفة.
  • قام بتطوير آلة الإصطرلاب- آلة قديمة تستخدم فلكيًّا لتحديد مواضع النجوم، وقياس الوقت- حيث جعلها على هيئة قبة؛ لتحاكي الواقع بدلًا من الشكل المسطّح؛ لتصبح أكثر دقة.
  • قام بتطوير آلة البوصلة، بأن جعل الإبرة المغناطيسيّة فوق سن مدبب، بدلاً من أن توضع فوق عيدان خفيفة من الخشب فوق سطح الماء، ووضعها داخل قبّة زجاجيّة، فكانت أكثر دقة وأسهل حملّا.
  • كما قام بتطوير آلة وردة الرياح، بأن جعل لها قرصًا خشبيًّا مقسمًا إلى أربع اتجاهات، وكل ربع مقسم إلى 32 جزء؛ مما جعلها أكثر دقة في معرفة اتجاه الرياح، والاستفادة منها في الملاحة البحرية.
  • أول من كتب عن العلامات والمنارات البحرية.

 

استطاع ابن ماجد أن يحظى وبجدارة على لقب أسد البحار، بل ويحق له أن يسمى ” ليث البحر الرابع”؛ بما وصل إليه من علم أبهر العالم أجمع، وبما قام به من أعمال خالدة لا تزال منارة للعلماء حتى يومنا هذا.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *