نبذة مختصرة عن الفرزدق

نبذة مختصرة عن الفرزدق

لكل عصر من العصور سلعته الرائجة، والتي تنال قبولًا عامًّا، يتفاوت بتفاوت احتياج كلّ فردٍ إلى تلك السلعة، ففي وقت من الأوقات كانت سلعة الفلسفة هي السلعة الرائجة، التي يعلو شأن أصحابها بها، ثمّ كان عصر أصحاب الشعر والفصاحة الذين يتودّد ذَوو السطان إليهم، ويدنونهم من مجالسهم، ويغدقون عليهم بالهبات والعطايا بكل سخاء، إما جلبًا لرضاهم ومدحهم، وإما تجنّبًا لسخطهم وهجائهم.

فكان لكل من الهجاء أو المدح أثر الإعلام اليوم، في إعلاء قوم وخفض آخرين، والفرزدق كان واحدًا من هؤلاء الشعراء القليلين المقربين من ذوي الملك والسلطان؛ لسطوة كلمته، وجزالة عبارته، وثراء لغته، وهو موضوع مقالنا، فتابعونا.

 

مولد الفرزدق ونشأته

ولد أبو مكيّة همّام بن غالب بن صعصعة التميميّ، الشهير بالفرزدق عام 38 ه‍، وهو الرأي الراجح في ميلاده، وكان أبوه قد أدرك الإسلام فاعتنقه، وكان ذو يسار من قومه، وذو مناقب محمودة عنه، وأمه هي لُبنة بنت قرظة الضبية، وكانت ذات مكانة عظيمة من قومها، فكان ذو حسب ونسب لأبويه.

وقد نشأ ببادية البصرة؛ مما أكسبه طبع البادية، وحدّة لغتها ونقاء لفظها، وثراء مفرداتها، وقد عاصر العديد من الشعراء مثل الأخطل وجرير، وهما من أشهر شعراء العرب في عصره، كما عاصر من الخلفاء من بني أمية؛ عبد الملك بن مروان، ومن بعده الوليد، ثم هشام فسليمان.

 

حياة الفرزدق

عمّر الفرزدق طويلًا؛ فاكتسب خبرة الحياة، وأُصقلت تجربته الشعريّة؛ مما جعله شاعرًا متنوّعًا في جميع فنون الشعر، وكان أبرزهم في المدح والهجاء؛ ما جعل منه أقرب الشعراء من الأمراء والخلفاء .

وكان الفرزدق كثير الزهو بنفسه، فكان يرتدي أفخم الثياب، ويتحلّى بأثمن الحليّ، مختضبًا شعره ولحيته، والفرزدق هو لقب له، لجهامة وجهه، وخشونته.

وقد كان كثير الذكر والتباهي بمفاخر قومه، ممتدحًا نفسه بهم، بين جرير والأخطل، ولما لا، وهو من كان جدّه يفتدي مَوؤدات بني قومه بأثمن أمواله، ويبذلها رخيصة عن كرم وسخاء.

 

أشهر زوجات الفرزدق

تزوّج الفرزدق الكثير من النساء، وبذل فيهن الكثير من أمواله، ومن زوجاته النوار ابنة مجاشع، وكانت أكثرهن حبًّا إلى قلبه، وأقربهن نسبًا إليه؛ فهي ابنة عمه، وقد أنجبت له معظم أبنائه، ومع ذلك طلقها وندم على ذلك طيلة حياته.

وأمّ مكيّة، ويقال لها الزنجيّة، وأنجب منها ابنته مكيّة، وهي التي كُني بها، وهي من أعالي قومها من آل كسرى، والحضراء الشيبانيّة، والظبيّة ابنة حالم بن مجاشع، ورهيمة ابنة غني النمريّة، وغيرهن كثير، حتّى ألّف المدائنيّ مؤلّفًا سماه “مناكح الفرزدق”.

 

الفرزدق و قصور الخلفاء

تقرّب الفرزدق من الخلفاء بُغية عطاياهم، وتقرّبوا إليه بُغية مدحه، وتجنّبًا لهجائه، فمن مدحه الفرزدق كان ممدوحًا وإن كان زميمًا، ومن هجاه حطّ من قدره وأن كان الخليفة، كما تنقّل بين الخلفاء والأمراء من بني أميّة.

وكان كثير الذكر والمدح لآل البيت دون مداراةٍ من بني أميّة، غير خاشٍ على نفسه؛ لعلمه بمكانته من قومه، وعلى الرغم ذلك أبعده زياد بن أبيه والي العراق، فرحل إلى المدينة، وعاش بها عدّة سنوات، حتى تُوفي زياد، فعاد إلى البصرة مرّة أخرى.

وقد مدح ابنه عبيد الله حين وَلِيَ العراق مكان أبيه زياد، ثم من بعده الحجاج، فكان شاعر الأمراء والخلفاء.

 

منزلة الفرزدق الشعرية

خلّف الفرزدق إرثًا شعريًّا عظيمًا، زاخرًا بالفنون الشعريّة، نبراسًا في المدح والهجاء والفخر والغزل، وما ذُكر الفرزدق وجرير في مجلس إلا اختلفوا عليهما أيّهما أشعر، فكان شاعر المتناقضات، فإذا مدح أُنكِرَ عليه الهجاء، وإذا هجا أُنكِرَ عليه المدح، فكان علمًا في كليهما.

وقد صنّف الباحثون الفرزدق من الطبقة الأولى من الشعراء في الإسلام، حتّى قيل أن ثلث اللغة في شعر الفرزدق.

 

وفاة الفرزدق

يعتبر الفرزدق من أطول الشعراء عمرًا؛ فقد عمّر أكثر من مائة عام، وتُوفي لداءٍ أصاب بطنه، فتوّجه إلى البصرة لعلاجه من هذا الداء العُضال، ولكن وافته المنيّة هناك عن عمر يناهز المائة وأربعة سنة، وفقًا لبعض المصادر التاريخيّة.

لقد ترك الفرزدق ميراثًا شعريًّا، يُعدّ وعاءً من أوعية اللغة العربيّة الأصيلة، يستقي منها اللغويّون فُرات اللغة، ويلتمس فيه المؤرخون ضالّتهم، في معرفة الصورة الاجتماعيّة والسياسيّة خلال العصر الأمويّ، لقد مات الفرزدق وبقي شعره، فهل لنا أن نُجدّد لغتنا الجميلة من هذا الشعر.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *