من هو ابن خلدون

من هو ابن خلدون

تعدّ الموارد البشرية- في بعض البلدان- من مصادر الدخل القومي، وربما أهمها على الإطلاق؛ فأغلب مصادر الدخل القومي لتلك البلاد، تعدّ من المصادر غير المتجددة، لاسيما وإن كانت لا تمتلك مخزونا استرتيجيًّا تنافسيًّا من مصادر الطاقة أو التعدين، وابن خلدون واحد من تلك الموارد، ليس موردًا بشريًّا فحسب، بل يعدّ صرحًا تاريخيًّا خلّد اسم وطنه بين الأنام، فلا يكاد يخلو مرجعًا علميًّا يتناول علم الاجتماع، إلا وكانت مؤلفات ابن خلدون أحد مصادر تلك المراجع، وهو موضوع مقالنا اليوم، فتابعونا.

 

مولده ونشأته

هو ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الملقب بابن خلدون، وكنيته أبو زيد، ولد بتونس في سنة 732ھ – 1332م، ويرجع أصله إلى مدينة حضرموت باليمن، وينتسب إلى الصحابيّ الجليل وائل بن حجر- كما ذكر هو في ترجمته لنسبه- وخلدون هو جده العاشر والذي لقّب به؛ فقد جمع بين أصالة العرق الحضرميّ، وحضارة المنشأ التونسيّ.

 

نشأ ابن خلدون في بيئة علميّة وسياسيّة مرموقة؛ حيث سبقه أجداده إلى المناصب السياسيّة الهامة، والمكانة الدينيّة الجليلة، بمدينة الأندلس-أسبانيا الآن- قبل هجرتهم إلى تونس، وتمتعت أسرته بالثراء والرخاء، والعلم معًا؛ مما كان له الدور الكبير والأثر البارز في حياة ابن خلدون العلميّة، والسياسيّة فيما بعد.

 

حفظ بن خلدون القرآن صغيرًا كعادة أسرته؛ وكان أبوه هو الذي يتعهده بالعلم طفلًا، ثم درس بمسجد القبّة بتونس العلوم الأوليّة، من الرياضيات، واللغة، والحديث، والتفسير، والفقه المالكيّ، ثم التاريخ، والجغرافيا، والشريعة، والقانون أيضًا، بجامعة الزيتونة وتخرّج منها.

 

ثم نال قسطًا من التعليم بجامعة القرويين، بمدينة فاس بالمغرب، وتعلّم إلى جانب اللغة العربية اللغات الأميزيغية، وأثناء دراسته العلميّة تأثر بفكر ابن حزم، والطرطوشيّ، والرازيّ، وابن أبي زرع، وابن جرير الطبريّ. 

 

حياة ابن خلدون السياسيّة

كما ذكرنا من قبل أنه نشأ في بيئة علميّة وسياسيّة مرموقة؛ مما كان له الأثر البالغ في تكوين شخصيته؛ حيث كانت أسرته تضم بعض رجالات الدولة، وكان يراهم ويسمع حواراتهم عن قرب؛ وبالتالي لم يكن حديث عهد بالدولة ولا رجالاتها، فتكونت أفكاره وتبلورت عن الدولة، ورجال الدولة، والسياسة عمومًا، في وقت مبكر.

 

 وظهر أثر ذلك جليًا في مؤلفاته، ولاسيما كتابه “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، في عدة أجزاء والتي اشتهر منها الجزء الأول تحت مسمى”مقدمة ابن خلدون”. 

 

سافر ابن خلدون إلى مدينة “بسكرة” بالجزائر، وتزوج هناك، وذاع سيط ابن خلدون كعالم، فدعاه “أبو عنان المرينيّ” حاكم فاس بالمغرب وضمه إلى مجلسه؛ ليتولى منصب الكتابة ومؤرخ العهد، وهنا بدأت حياة ابن خلدون السياسيّة عمليّا.

 

وكان ابن خلدون محبًّا للترحال، فرحل إلى مدينة غرناطة بأسبانيا؛ حيث مكان أسرته الأول، ولم يدم المقام هناك، فسافر إلى مدينة إشبيلية بجنوب إسبانيا، ثم عاد إلى المغرب، وتحديدًا قلعة ابن سلام بالمغرب، وفيها شرع في التأليف، وكان أول كتاب موسوعيّ له هو كتاب “العبر وديوان المبتدأ والخبر”، والذي أخذ منه وقتًا طويلًا في تأليفه، ثم رحل إلى تونس وأكمل تأليفه هناك، ثم أهدى منه نسخة إلى سلطان تونس.

 

ثم رحل بعد ذلك إلى مصر عبر مدينة الإسكندرية، ثم مدينة القاهرة، ويعتبر تواجد ابن خلدون بالقاهرة نقطة تحول في حياته؛ حيث تولى منصب القضاء في عهد السلطان برقوق، وكان منصب القضاء آنذاك منصبًا سلطانيًّا، سياسيًّا وقضائيًّا رفيعًا ومرموقًا، وظل ابن خلدون بالقاهرة تتّسع شهرته السياسيّة كأحد رجالات الدولة، وعلميًّا كمؤرخ.

 

ابن خلدون مفكرًا

لم يدم ابن خلدون ببلاط السلطان كثيرًا؛ لأن ذلك كان يعوقه عن العلم والتحصيل والفكر،  فاعتزل ابن خلدون بلاط السلطان، وتفرغ  للتأليف، فكتب أغلب مؤلفاته التي خلّدت اسمه في التاريخ، كمؤرخ وعالم اجتماع، لم يسبقه أحد إلى هذا العلم من قبل.

 

لم تزل أفكار ابن خلدون في علم الاجتماع والعمران، تُدرّس حتى اليوم في أغلب بلدان العالم؛ فهو فيلسوف اجتماعيّ، ومؤرخ غير تقليديّ؛ حيث دمج التاريخ بالفلسفة وعلم الاجتماع، بحيث لم يعد التاريخ مجرد سرد للوقائع عبر الأزمنة الغابرة، بل أصبح علمًا لا يقتصر على مجرد التأريخ فحسب، ولكنه علم يستطيع التنبؤ بمجرى التاريخ، والأحداث السياسيّة في المستقبل. 

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *