من لقب بأبي الطب العربي

من لقب بأبي الطب العربي

يزخر التاريخ العربيّ بالعديد من العلماء، الذين أثروا المكتبات على مستوى العالم بأمهات المراجع العلميّة، في جميع العلوم والإنسانيّات، من طبّ وهندسة، وفلك، ورياضيات، وفلسفة، واجتماع، وفنون، وموسيقى، والعديد من المجالات المختلفة،ولا تزال مؤلفاتهم المترجمة إلى العديد من اللغات، مرجعًا للعديد من الأطباء في جميع المجالات، والتي أثبت العلم الحديث صدق ما توصلوا إليه من نتائج علميّة وعلاجات.

 ومن أصحاب تلك المؤلفات، من لا يزال يتردد اسمه في الأوساط العلميّة، حتى لقّب بأبي الطبّ العربيّ، وهو موضوع مقالنا، فتابعونا.

 

الطبّ العربيّ

يعتبر الطبيب العربي هو أول من وضع الطبّ، والعلاجات الطبيّة، في مصافّها الصحيحة تحت مجهر منهاج البحث العلميّ، فقد كان الطبّ سابقًا يُمارس من قبل الفلاسفة، ورجال الدين على مختلف مشاربهم، على اعتبار أن الأمراض ما هي إلا مجرد خلل، قد أصاب توازن مُركّبات الحياة في الإنسان، أو الحيوان، من ماء، وتراب، ونار، وهواء. أما الطبيب العربيّ فعلى خلاف ذلك كله، فقد وصف وشخّص الكثير من الأمراض وصفًا علميًّا دقيقًا، وأنشأ المعامل الكيميائيّة التي تَتخذ من النباتات، وبعض المركبات ذات المصدر الحيوانيّ، علاجًا ناجعًا لتلك الأمراض.

وفي الوقت الراهن، وبعد ظهور الآثار الجانبية الرهيبة لبعض العقاقير الطبيّة الكيميائيّة المنتجة صناعيًّا، بدأ ينادي العالم بالعودة إلى الطبيعة، أي العودة إلى حيث انتهى الطبيب العربيّ في سابق الزمان، والطبيب العالِم أبو بكر الرازي، الملقب بأبي الطبّ العربيّ هو واحد من أهم هؤلاء العلماء قاطبة.

 

أبو الطبّ العربيّ

لكل علم من العلوم هناك من يكون هو المؤسس الأول، أي أول من وضع لهذا العلم أسسه العلميّة الصحيحة، والتي تشكّل قاعدة علميّة، يبني عليها من جاء من بعده من تلاميذته النابغين، سواء من تتلمذوا على يديه، أو من تتلمذوا على أفكاره ومؤلفاته، حتى ولو بعد قرون.

و محمد بن زكريا الرازي، المُكنَّى بأبي بكر الرازي، هو واحد من هؤلاء العلماء المؤسسين لعلم الطب والعلاجات، بل هو أشهرهم على الإطلاق، والملقّب بأبي الطبّ العربيّ.

 

وعندما نقول الطبّ العربيّ، فنحن في حقيقة الأمر نكون قد قلنا الطبّ على مستوى العالم قاطبة، لأن الطبيب العربيّ هو المعلم الأول في هذا المجال دون منازع، بفضل علماء عباقرة، أفنوا حياتهم في مجال البحث والتجريب، بعيدًا عن الخرافات والشعوذة.

 

مولده وحياته

إنه النابغة أبو بكر محمد بن زكريا، المولود سنة 250 ھ، توافق سنة 864 م، بمدينة “الريّ” بفارس- الجمهورية الإيرانية اليوم- وقد تعلّم في طفولته الرياضيات، والموسيقى، والفلسفة؛ مما ساعد على نمو التفكير العلميّ لديه؛ فهو لا يصدّق إلا الأرقام

وتعلمه للفلسفة مبكرًا، جعله يجنح بخياله بعيدًا، ويشكّل واقعًا ذهنيًّا نقيًّا جديدًا، فكل شيء جائز لديه، ولكن بطريقة علميّة بعيدة عن المهاترات، كما أن دراسته للموسيقى، جعلت لديه حسًّا مرهفًا، فجميع الأفكار لديه تعمل في تناغم تام، وحسّه المرهف هذا بدا جليًا في معاملته مع مرضاه فيما بعد، والفقراء منهم خاصة.

 

ثم اتجه في شبابه، حين بلغ الثلاثين من عمره، إلى دراسة الطبّ والأعشاب؛ حيث أن دراستهما كانتا لا تنفكان، ودراسة الأعشاب تعني دراسة الصيدلة اليوم، وقد برع فيهما، وأظهر ذكاءً شديدًا، ونبوغًا منقطع النظير، وساعده في ذلك شغفه بالعلم، وحبه للقراءة، واطلاعه الواسع على نتائج من سبقوه من العلماء المعتَبرين.

 

إسهاماته العلميّة

عندما نتطرق إلى عالم موسوعيّ كالرازي، لا نستطيع الإلمام بكل ما ساهم به في خدمة البشرية، ولكن يمكن التطرق إلى بعض منها فيما يلي:

  • أول من عالج المياه البيضاء بالعين جراحيًّا، بنسبة نجاح ممتازة؛ حيث كان فيما سبق يتمّ علاجها عن طريق المحاليل العشبيّة، كغسول للعين، بنسبة نجاح ضئيلة جدًا.
  • أول من ابتكر خيوط الجراحة من أمعاء بعض الحيوانات، والتي ظلت تستخدم حتى عهد قريب، في أوائل القرن العشرين.
  • أول من وضع علاجات للحصباء والجدري، وكان يتمّ الخلط بينهما فيما سبق، وكان يتم التعامل معهما على أنهما مرض واحد، ولكنه فرّق طبيًّا بينهما تمامًا، وهو ما عليه الطب الحديث اليوم.
  • أول من وضع الأسس العلميّة لاختيار أماكن بناء المستشفيات؛ حتى تساعد المرضى على الشفاء السريع، وذلك بوضع عدّة قطع من اللحم في عدة أماكن، فآخرها تلفًا يكون مكانها هو المكان المناسب.
  • أول من ابتكر طريقة إيقاف النزيف الوريدي والشرياني.
  • كما استخدم أسلوب الإحصاء الإكلينيكي؛ لعمل سجل للتاريخ المرضي للمريض، وغيرها الكثير والكثير من الإسهامات العلميّة.

 

سيظل الرازي وإسهاماته العلميّة، التي تصلح الواحدة منها رسالة دكتوراه بمفردها، ومؤلفاته الطبيّة، كالحاوي في التداوي، والتشريح، والكافي في التطبيب، وعلل الأمراض، والأغذية، والمدخل إلى علم الطب، ستظل منارة علميّة ومنهلًا، يغترف منه العلماء على مرّ التاريخ، فهو حقًا أبو الطب العربي والعالم أجمع.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *