من أول من فصل طب الأطفال عن غيرهم

او من نادى بفصل طب الاطفال

تعدّ ممارسة الطبّ من أقدم المهن التي احترفها الإنسان؛ لعلاقتها المباشرة بجسده وحياته، وكان على من يمارس مهنة الطبّ لابد وأن يتّصف بالحكمة، ومن هنا جاءت تسميته بالحكيم، فكان يمارسها الكهنة بوصفهم حكماء، ومع ظهور العديد من الأمراض والمرضى، كانت الحاجة ملّحة إلى التخصّص، فأصبح من يمارس الطبّ هو الطبيب وحسب.

ومع تقدم العلم وازدياد رقعة المعرفة الطبيّة وتشعبها، أصبح هناك لكل طبيب تخصّصه العلاجيّ، بل وأصبح من الضروريّ أن يكون لكل فئة عمريّة طبيبها الخاص بها، فتمّ فصل طبّ الأطفال عن غيرهم، وهو أول ما نادى به أبو الطبّ العربىّ، وهو موضوع مقالنا فتابعونا.

 

تعريف طبّ الأطفال

منذ أن يولد الإنسان وهو يمرّ بأطوار عمريّة مختلفة، تنسلخ من بعضها البعض، طَورًا تلو الطَور الآخر، ولكل طَور سماته الخاصة، واحتياجاته البيولوجيّة والطبيّة أيضًا، ومن هنا كان طبّ الأطفال، الذي يمكن تعريفه بأنه: “هو الطبّ الذي يختصّ بمعالجة مرحلة الطفولة، من النشأة الأولى وحتى بلوغ سن الرشد”.

 

أسباب فصل طبّ الأطفال

من الوهلة الأولى ربما لا يدرك الإنسان السبب الداعي إلى فصل طب الأطفال، عن غيرهم من المرضى البالغين، على اعتبار أن الإنسان هو الإنسان، كبيرًا كان أم صغيرًا، والمرض الواحد يصيب الجميع، ولكن هذا خلط كبير، ويمكن تناول أهم الأسباب الداعية إلى فصل طبّ الأطفال عن غيرهم في الآتي:

البنيّة العضويّة

عندما يولد الإنسان فهو يولد مكتمل الأعضاء، كالبالغ تقريبًا في كثير من أعضائه، ولكن هناك بعض الأعضاء لم تكتمل وظيفيًا؛ لكي تمارس وظيفتها بشكل تام، أو ربما لم تولد تلك الأعضاء بالرغم من ولادة الطفل نفسه، كعضو الهضم الأول ألا وهو الأسنان.

كذلك هناك بعض الأعضاء لم تمارس مهامها بعد، كقدرتها على إفراز إنزيمات الهضم لبعض الأطعمة، من البروتينات والدهون المعقدة، وأيضًا وجود هيكل عظمي لبني، لا يستطيع حمل الطفل بالكليّة.

 

البنية البيولوجيّة

عندما يولد الإنسان يولد ولديه جهاز مناعيّ، لم يكتسب شفرة دفاعية ضدّ غالبية الأمراض بعد، إلا ما نذر منها خلال فترة حمله، عن طريق الأم التي لم تكسبه إلا بعض المناعة ضدّ بعض الأمراض.  

 

البنية السيكولوجيّة

تعتبر البنية السيكولوجيّة للإنسان، هي العتبة الفارقة بين طفولته وشبابه، والتي ترتبط باكتمال المرحلة الوظيفيّة الحيويّة لديه، من قدرته على التكاثر، فيتمتع الطفل ببنية سيكولوجيّة، لها متطلباتها الخاصة بها، على اختلاف متطلبات الإنسان شابًّا.

 

أول من نادى بفصل طب الأطفال عن غيرهم

أدرك الطبيب في وقت مبكر، أن الضرورة العلاجيّة تستدعي فصل طبّ الأطفال عن غيرهم للأسباب السالفة، فكان أول من فطن إلى هذا هو أبو الطبّ العربيّ، الطبيب الحاذق أبو بكر محمد الرازي، والذي سوف نتناوله بشيء من التفصيل في الآتي:

 

مولده ونشأته

تُرجّح أغلب المصادر التاريخية، أن مولد الطبيب الرازي كان عام 840 م بمدينة “الري”، ببلاد فارس، والذي كان مولعًا بالعلم منذ نعومة أظافره، فدرس الكيمياء، والرياضيات، والفلسفة، والفيزياء، والموسيقى أيضًا، ثم في شبابه توجّه إلى دراسة الطبّ، فبرع فيه أيما براعة، فكان طبيبًا حاذقًا، وإنسانا خلوقًا عطوفًا على الفقراء، فكان طبيبًا من الطراز الأول بمعنى الكلمة.

وأثناء علاجاته لبعض الأمراض التي تصيب الكبير والصغير على حدٍ سواء، لاحظ أن العلاجات الطبيّة التي يصفها للكبار وتكون ناجعة في علاجهم، تكون في بعض الأحيان وبالًا على بعض الأطفال المرضى، بالرغم من تشابه مرض الطفل الصغير مع مرض الكبير إكينيكيًّا.

 

فقام بوضع الأربعة تحت الفحص الطبيّ، الطفل، والشاب، والمرض، والعلاج، فبالنسبة للمرض لاحظ اتّحاد الأعراض بين الطفل والشاب، والعلاج لا خلاف عليه، وبفحص المستهدفَين بالعلاج- الطفل والشاب-  تلاحظ له أن الفارق الفسيولوجيّ الناتج عن البنية العضويّة والبيولوجيّة لكل منهما، هو السبب في استجابة الشاب للعلاج دون الطفل، بنفس الوصفة الطبيّة لنفس المرض.

 

ومن هنا نادى بفصل طبّ الأطفال عن غيرهم، وقد كان، ولا تزال المؤسّسات العلميّة والطبيّة الحديثة تأخذ بهذا المبدأ، الذي أسس له الرازي حتى يومنا هذا، بل قامت بجعل طبّ الأطفال يندرج تحته أقسام أخرى أدقّ، كطبّ الأطفال حديثي الولادة.

حقًا إنهم كانوا علماء عباقرة، سبقوا زمانهم بقرون كثيرة، ولا تزال أفكارهم ومؤلفاتهم معينًا علميًّا، ينهل منه كل باحث وطالب علم حتى الآن، والطبيب الرازي على رأس هؤلاء، فهو أول من لفت الأنظار ونادى إلى تخصص طبّ الأطفال، وقام بإنشاء هذا القسم فعليًّا بالمستشفى الذي كان يعالج فيه مرضاه.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *