ما هي الحرية؟ وما هي ضوابطها

الحرية

قيل منذ زمنٍ بعيد أنا أفكّر إذن أنا أعيش، أما في الوقت الراهن يمكننا القول؛ أنا حرٌّ إذن أنا أعيش، فالتفكير بلا حريّة في أن تمارس ما تفكر أو تعتقد فيه، لا قيمة له على الإطلاق؛ لأن الحريّة أثمن ما يملك الإنسان في الوجود، فيكون حرًّا في أن يفكر، حرًّا في أن يعتقد ما يشاء، حرًّا في أن يتنقّل أو يرتحل، حرًّا في أن يكون كما يحب أن يكون، ولكن هذه الحرية بهذا الشكل نوع من الفانتازيا؛ لأننا نعيش في مجتمع لا أفرادًا، فما هي الحرية، هذا هو موضوع مقالنا، فتابعونا.

 

ماهيّة الحريّة

تتعدّد ماهيّة ومعانِ الحرية من زمن لآخر، ومن مجتمع لمجتمع آخر أيضًا، ولكن يظلّ هناك قدر مشترك لمفهوم ومعنى الحريّة، لا يتغيّر بتغيّر كل هذا، يمكن تناوله على النحو الآتي:

 

المعنى اللغويّ:

وهو يتوقف على الجانب الذي تعنيه من الحريّة، فإذا نظرنا إلى الشخص ذاته، فتأتي بالمعنى المناقض للعبوديّة، وإذا نظرنا إلى التصرّفات الصادرة عنه، فتأتي بمعنى التصرّف بلا احتراس، والخلاص من أي قيدٍ أو شرط، أي امتلاك الإرادة.

وهناك الحريّة الدينيّة، والمدنيّة، والسياسيّة، والقانونيّة، والاقتصاديّة، وما إلى ذلك من تلك الجوانب من الحريّة.

 

المعنى الاصطلاحيّ:

الحريّة هي حالة من يتصرّف بوعيٍ وإدراكٍ، ومن لا تحكمه الدوافع اللاشعوريّة، والإحساس بالمسئوليّة الأخلاقيّة والقانونيّة تجاه تصرّفه، فهي حالة من الوعي بفعل كل من الخير أو عكسه، مع العلم بالفعل المؤدي للغاية التي يبتغيها، والأسباب التي يقف عليها هذا الفعل من ذلك التصرّف.

 

الحريّة في الأدب المعاصر

استطاع الأدب العربيّ المعاصر أن يجسّد لنا معنى الحريّة المجتمعيّة، في الرواية الشهيرة “أنا حرة”، فعندما نعيش في مجتمعٍ أحرارًا، فهذا يعني أن لكل منّا حريّته الذاتيّة والشخصيّة بالمعنى السابق، وهنا تتنازع، أو تتصادم، أو تتداخل حدود الحريات على مستوى أفراد المجتمع، وتصبح حريّة كل فرد قيدًا على حريّة الآخر، الذي يعيش معه في نفس المجتمع.

إذن فلا يمكن أخذ الحريّة بالمعنى المجرّد على إطلاقها، ليمارسها الشخص داخل المجتمع، وإلا تفكّكت روابط وأواصل المجتمع، فالحريّة الشخصيّة تقف عند حريّة الآخرين بالمعنى الواسع، أي حريّتهم فيما يعتقدونه، ويألفونه من عادات وتقاليد راسخة بالمجتمع،

فالحريّة الشخصيّة تقف على شفا تلك الحدود، وإلا أصبحت حريّة الفرد ذاته محلّ قيدٍ وانتقاد.

 

ضوابط الحريّة

لا يمكن أخذ الحريّة بمفهومها المطلق على سجيّتها، والفرد يعيش داخل مجتمع ويتفاعل معه؛ ولذلك فإن للحريّة مجموعة من الضوابط التي تنظّمها، يمكن تناولها على النحو التالي:

  • العادات والتقاليد: تمثّل العادات والتقاليد داخل أي مجتمع، أهم الضوابط على حريّة أفراده، بما تمثّله من المعايير الجمعيّة التي يأبى أفراده في مجملهم، أن يُعتدى عليها تحت أي مسمّى، وإن كانت تحت غطاء الحريّة، فإن تلك العادات والتقاليد في مجموعها، هي أيضًا مجموعة من الحريّات المتفق عليها ضمنًا بين أفراد ذلك المجتمع.
  • المعتقدات الدينيّة: وهي من أقوى الضوابط التي تنظم حريّة الأفراد؛ فلا يقبل المجتمع ما ترنو إليه حريّة الآخرين، في انتهاك معتقداتهم الدينيّة الراسخة لديهم، وإلا كانت تلك الحريّة فسقًا، أو فجورًا، أو ما تسمّيه تلك المعتقدات، وتصبح تلك الحريّة محلّ نزاعٍ ومناهضة.
  • ثقافة المجتمع: تعتبر ثقافة المجتمع هي منبع سلوكياته، والتي من شأنها تقييم السلوكيّات الدخيلة عليه، وبالتالي تكون تلك السلوكيات الجديدة محلّ رفضٍ إذا تنافرت معه، أو تصبح محلّ قبولٍ إذا توافقت معه.
  • والحريّة عند ممارستها تصبح سلوكًا من سلوكيّات الفرد، التي تكون محلّ انتقادٍ، أو قبول ثقافيّ للمجتمع.
  • القانون السائد: يعتبر القانون منظِّمٌ مجتمعيٌّ، حتّى وإن كان محلّ انتقاد فيما ينظّمه من حريّات الأفراد؛ وبالتالي فهو ضابط لا تتعدّاه حريّة الأفراد إلى غيره، وإلا كانت محلّ مسائلة قانونيّة.

 

إنّ الحريّةَ أجلُّ ما يتمتّع به الإنسان، وأهمّ مظهرٍ من مظاهر الحياة الكريمة، التي يجب أن يوفّرها المجتمع لأفراده، وفي المقابل على أفراد المجتمع أن يحترموا ويُعلوا من قيم المجتمع الذي يعيشون فيه، فنحن لا نرى أنفسنا من حيث يرانا الآخرون، فالحريّة كما هي حقّ، فهي أيضًا واجبٌ والتزام.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *