ما هي البيروقراطية

ما هي البيروقراطية

عندما ترغب في الالتحاق بعمل ما، فإنك تذهب متفائلًا إلى مكتب الموارد البشرية، في المصلحة المعنيًة؛ لتقديم المسوغات المعلن عنها لشغل الوظيفة، لكنك تُفاجأ بأن الموظف المختصّ، أشار إليك للنظر إلى لائحة التعليمات المعلنة بلوحة الإعانات؛ لقراءتها واستكمال المطلوب، فتطمئن ويهدأ روعك، لأن مسوغاتك كاملة ولا ينقصها سوى نموذج طلب الوظيفة، والتأشير عليه من قبل سيادة المدير العام، إلى الموظف المختصّ الذي كنت بمكتبه من ثوان معدودة. 

ثم تكتشف بعد ذلك أن سيادة المدير في اجتماع،  وأنه ينقصك دمغة فئة 50 قرشًا، وهو غير متوافر إلا مع عم عبده العامل، وأن التوقيع على الورقة الأولى غير واضح، وعليك استخراج مستخرج رسمي منها، وعليك أيضًا استخراج شهادة تخرّج حديثة؛ لتحديث الصورة الشخصيّة، وهكذا، لماذا كل هذا ؟! إنها البيروقراطيّة، وهي موضوع مقالنا، فتابعونا.

 

نشأة البيروقراطيّة

نشأت البيروقراطيّة مع نشأة الدولة؛ للحفاظ على سلطات كل ذوي الشأن؛ فهي قديمة قدم الدولة، ويمكن تناولها في مرحلتين:

 

المرحلة الأولى: البيروقراطيّة الشفاهيّة

وفي هذه المرحلة عرفت الدولة التدرج الهرمي في إصدار الأوامر والتعليمات، لكنها كانت تصدر شفاهةً، وأيضا كانت تصدر ارتجالا وفقًا، لمستجدات الأمور، ودون أن يكون هناك تسلسل إداري بالمفهوم الحالي، بأن يكون لكل إدارة اختصاصاتها المعلومة سلفًا.

 وكذلك كانت تنفذ تلك التعليمات والأوامر الصادرة  شفاهةً، في تسلسل صارم من السلطات المتدرجة، من الأعلى إلى الأدنى، وكانت تهدف إلى الحفاظ على مستحقات ومكاسب ذوي النفوذ، من قبل المجتمع، فهي نشأت بادئ ذي بدء لمواجهة المجتمع لصالح الإدارة العليا. 

 

المرحلة الثانية: البيروقراطيّة الحديثة

مع زيادة الكثافة السكانيّة، وتشعّب مهام الدولة، واتّساع نطاق إدارتها، وتشابك المصالح بين المجتمع والدولة، وكذلك اتساع النشاط الاقتصادي، وظهور الشركات الضخمة المحلية، ومتعددة الجنسيات،  نشأت البيروقراطيّة الحديثة؛ لإحكام السيطرة من قبل الإدارة العليا، ودقّة التنظيم الهرمي؛ لضمان تنفيذ القرارات والتعليمات على أكمل وجه، للتأكد من تحقيق الأهداف المرجوة.

 

ماهيّة البيروقراطيّة

عرفت الإدارة حديثًا البيروقراطيّة المنظمة، ذات التسلسل الهرمي بمفهومها الدقيق، على يد المفكر وعالم الاجتماع الألمانيّ ماكس فيبر، وكلمة بيروقراطيّة هي كلمة معرّبة، وتعني سلطة المكتب، أي سلطة الاختصاص، فكلمة مكتب تشير إلى اختصاص صاحب المكتب، والبيروقراطيّة لا تعرف الأشخاص، بل تعرف المختصّين أيًّا كانت شخوصهم، فالمختصون هم أصحاب القرارات والتعليمات دون منازع، إلا ممن يعلوهم من المختصّين في الهرم الإداري.

 

وعلى هذا يمكن تعريف البيروقراطيّة بأنها: “قوة السلطة المختصة المخوّلة لها بقوة القانون، والتي تصدر في تدرج هرمي من أعلى إلى أسفل؛ بهدف تحقيق مصلحة الدولة العليا، عن طريق سلسلة من الإجراءات المحددة سلفًا، وفقًا لكل إدارة فرعية، والتي تُبنى على تنظيم العلاقة بين الإدارة والمجتمع، بواسطة مجموعة من الموظفين العموميين”.

 

أما البيروقراطيّة الإدارية بالنسبة للشركات والمؤسسات، فيمكن تعريفها بأنها: “هي السلطة المخوّلة من مجلس الإدارة إلى الإدارات المختصّة، في تسلسل هرمي، وفقًا لمجموعة من اللوائح الموضوعة سلفًا؛ لتحقيق مصلحة المنشأة، ويتمّ تنفيذها من خلال مجموعة من الموظفين، على مختلف أقسامهم”. 

 

البيروقراطيّة والمجتمع

لا يمكن النظر إلى البيروقراطيّة من منظور واحد، وإلا نصبح مجحفين غير منصفين، فيجب النظر إلى البيروقراطيّة من ناحيتين هما:

الناحية الأولى: هدف المؤسّسة الواجب تحقيقه من خلال البيروقراطيّة.

الناحية الثانية: تكلفة البيروقراطيّة على المجتمع، وذلك كلآتي:

  • هناك مؤسّسات يجب أن تتّصف بالسريّة المطلقة، والضبط والحزم، وعدم مراجعة القرارات الصادرة منها من قبل الغير؛ لضمان تحقيق أهدافها، مع سلامة المؤسّسة، والمؤسّسة هي بالطبع أحد مكونات المجتمع، وبالتالي فأهداف المؤسّسة وسلامتها، هي في نفس الوقت أهداف للمجتمع وسلامته أيضًا، فتكون البيروقراطيّة هي الأسلوب الملائم لهذا الغرض.
  • أما عندما تكون المؤسّسة لا تتصف بالسريّة المطلقة، وهي مجرد مؤسّسة صناعيّة أو خدميّة، ففي هذه الحالة لا تخدم البيروقراطيّة المجتمع بأي حال بل ترهقه نفسيًّا وماليًّا؛ مما تصبح معه البيروقراطيّة مصدرًا للسخط وعدم الرضا المجتمعي.

 

في ظلّ التقدم العلميّ والتكنولوجيا الرقميّة، يتلاشى مستقبل البيروقراطيّة، فتتجه معظم الدول للحد من البيروقراطيّة، فالتكنولوجيا الرقميّة بما تحققه من أمان معلوماتيّ، وسرعة في الأداء، مع إمكانيّة ممارسة الإدارة لاختصاصاتها، جعلت البيروقراطيّة تنحسر في أضيق نطاق، مع بزوغ مستقبلٍ جديدٍ غير بيروقراطيّ.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *