ما هو الصدق؟ و أنواعه، والصدق في الإسلام

ما هو الصدق ؟ وانواعه

يعتمد السلام النفسيّ للأفراد والأمم على الأخلاق التى تستند إليها فى علائقها، والقيم التى تتبناها، يقول فى ذلك الشاعر: إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا. والصدق فضيلة من بين تلك الفضائل الحميدة والخصال الرشيدة فى جميع الأديان، وسائر المِلل والنِحل، إلا ما شذّ من الطوائف الضالة، والفرق السياسة المنحرفة، التى تجعل الغاية تبرّر الوسيلة؛ كائنةً هذه الوسيلة ما تكون، بمعنى أنها تسلك أى سبيل للوصول إلى أغراضها، حتى وإن كان الكذب أحد هذه السبل، لكن التاريخ خير شاهد على زيف هذا الاعتقاد وسوء مآله، وهذه المقالة نبذةٌ قصيرة عن هذا الخلق الرفيع.

 

تعريف الصدق

الصدق هو موافقة الخبر للواقع، ومطابقة المنقول لما هو حادثٌ على الحقيقة، أو بتعريف مختصر، الصدق: هو قول، وعدم مخالفته، فإذا خالف القول الصواب لم يكن الناقل للخبر صادقًا، شريطة أن تكون نيّة الكذب متوفّرة على الإخبار بخلاف الحقيقة، بمعنى أنه إذا أخبرك أحد الناس بشىء يظنّه حقًّا، ثم تبين أن الأمر على خلاف ما ذكر الناقل؛ فإنّه لا ينبغي وصف الناقل بالكاذب، والأحرى أن يوسم بالواهم أو المخطئ، وسبب ذلك أن الأعمال فى الدين بنيّة صاحبها.

 

أهميّة الصدق

كان أفلاطون يحلُم بمدينة فاضلة، يكون كيانها الصدق والعدل، ومع كون هذه المدينة لم تعدُ أن تكون حلمًا من نسج خياله؛ إلا أننا لو أطلقنا العنان لعقولنا لتجري فى مضمار خياله الحالم؛ فإننا سنجد مجتمعًا حافلًا بالنجاح، ممتلئًا أفرادُه بالبهجة والرضا والسعادة.

فما أجمل أن تكون الثقة بين الناس متعزّزة ومؤكدة، إلى الدرجة التى يتعامل الناس فيها مع بعضهم البعض بارتياحيّة تامّة، ليس هناك للغشّ أو الخيانة مكانٌ بين أفرادها، فيشعر عندئذ كل واحد منهم بالأمان والثقة والتلقائيّة والصراحة، فلن يلجأ أحدهم إلى الالتفاف حول الأمور؛ حتى يخفى عن الناس ما يتوارى من سوأته، ولن يظن ثانٍ أو يراوده الشكّ فى أن محدّثه لا يقول إلا صدقًا.

 

فالكذب أحد آيات النفاق وعلاماته، والنفاق هو مخالفة الظاهر للباطن، فإذا تعوّد المرء الصدق فإن أول مستفيد بذلك هو المرء نفسه؛ لسبب بسيط وهو أنه سيكون متناغمًا مع ذاته، منسجمًا مع باطنه، هذا على مستوى الفرد الواحد، فإذا اجتمع هذا الخُلق فى الناس جميعًا؛ فإنّه يضاف على السلام النفسيّ المتحقّق لكل فرد على حدى، أن ينسحب على المجتمع برمّته.

ناهيك عن الفائدة التي سيجنيها مجتمع يتعامل كل أفراده بالصدق و الأمانة، من رخاء وازدهار، وما أدلّ على ما نقول من قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ إن الصدق يهدى إلى البرّ، فحسبنا لكي نعرف جلالة هذا الخُلق ومنزلته، أن نعلم أن المراد بالبرّ الوارد فى كلام النبىّ- صلى الله عليه وسلم- جميع أشكال الخير وصوره.

 

الصدق فى شريعة المسلمين

إن طَرق هذا الباب لعسير، فكيف إذا كان المرجوّ هو تَتَبُّع ما وراء هذا الباب من جزئيات لا حصر لها، كيف نستطيع أن نحصر القول فى دينٍ مبتدؤه الصدق، بحيث إذا انخلع عن هذه الصفة فى مبتدئه، لم تقم له قيامة ولم ينفعل له أحد بالانصياع لتعاليمه، ثمّ القناعة الكاملة بكل تفصيلة وردت فيه، فلولا صدق النبى- صلى الله عليه وسلم – ما كان لهذا الدين أن يقم.

غير أننا سنكتفي فى التنويه بفضله ومكانته فى الإسلام، بالإشارة إلى آية واحدة من كتاب الله تعالى” إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات”، ووجه الاستدلال بهذا الشاهد على عظم فضل الصدق، دون الاستشهاد بالآيات الكثيرة دونها؛ أنّه سبحانه لما ذكر مراتب الدين الثلاثة (الإسلام، والإيمان، والقنوت، والإحسان)، أعقبهم بذكر صفة الصدق، فكأنه قال؛ والصادقين والصادقات فى هذه المراتب الثلاث السالفة.

 

أنواع الصدق

لا يقتصر الصدق على القول وحسب، كما هو متبادرٌ إلى الأذهان، فالصدق يكون فى القول، ويكون فى العمل، ويكون فى النيّة، فأما عن صدق القول فهو معروف، وأما الصدق فى الفعل؛ فهو موافقة الأفعال لمعتقدات القلوب، وعدم لَوْك القول باللسان بما ليس فى الفؤاد، فتكون مخالفة الصدق فى الفعل، فذلك فرعًا من النفاق العمليّ، يقول تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون”.

 

والصدق فى النيّة هو ألا يبتغى المرء بفعله شرعًا وجه الناس، ومخالفة هذا النوع تعدّ فرعًا من النفاق العَقائدي والرياء، وفيه يقول تعالى عن هذا الصنف: “إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون”، فلما خالفت مقالتهم ما تنطوى عليه ضمائرهم ونواياهم؛ لم يناسبهم إلا وصفُ الكذب.

إن حاجتنا للصدق مع النفس، ثمّ مع المحيطين، ثمّ مع المجتمع والعالم، ومن قبل ذلك الصدق مع الله؛ لتربو على حاجتنا إلى الطعام والشراب، ذلك أن الأخيرة بها قوام أجسادنا، والحاجة إلى الصدق بها قوام أرواحنا وديننا ودنيانا.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *