ما معنى الخصخصة؟ والنتائج المترتبة عليها

الخصخصة

تتعدّد السياسات الاقتصاديّة في الدول المختلفة، بتعدّد الفلسفات الاقتصاديّة التي تتبنّاها الحكومات لتلك الدول، وكذلك تفرض البنية التحتيّة والهيكليّة للدول، تبنّيها سياسة تمويليّة دون غيرها، فهناك الدول التي تتبنّى الفلسفة الشيوعيّة، أو الاشتراكيّة، أو الرأسماليّة، أو المختلطة، أو ما إلى ذلك، وهناك بعض الفلسفات التي أثبت التاريخ فشلها، أو أصبحت لا تتواءم مع المناخ الاقتصاديّ، والمعطيات العالميّة، كالنظام الاشتراكيّ، فتمّ الانسلاخ من الفلسفة الاقتصاديّة الاشتراكيّة، والتحوّل إلى نظام جديد من خلال الخصخصة، وهي موضوع مقالنا، فتابعونا.

 

لمحة تاريخيّة عن بعض النظم الاقتصاديّة

هناك العديد من النظم والتجارب الاقتصاديّة، التي مرّت بها الدول عبر التاريخ، يمكن تناول بعضٍ منها في الآتي:

نظام الإقطاع:

ويعتبر من أقدم النظم الاقتصاديّة التي شهدها التاريخ؛ ففيه تمتلك قلّة من أفراد المجتمع إقطاعيّات كبيرة من الأرض، باعتبارها المصدر الأول للريع، ويقوم باقي أفراد المجتمع بالعمل داخل تلك الإقطاعيات، ويُطلق على هؤلاء الإقطاعيّين طبقة النبلاء.

وكانوا في أغلبهم يشكّلون الحكومة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتعمل جميع موارد الدولة على خدمتهم، من شقّ الترع، وإقامة الجسور، وتمهيد الطرق؛ لتلبية احتياجات تلك الإقطاعيّات.

 

النظام الرأسماليّ:

يعدّ النظام الرأسماليّ تهذيبًا للنظام الإقطاعيّ؛ فهو وُلد من رحم الإقطاعيّة، ولكنه أعطى مساحة أكبر للحكومات؛ لكي تمارس سلطة الإدارة العامة، ويعمل هذا النظام على مدّ وتزويد الحكومات باحتياجاتها التمويليّة، من خلال دفع الضرائب وبنسب مرتفعة، ويتمّ توجيه تلك المتحصّلات من الضرائب إلى إقامة المشروعات، وتمويل النفقات العامة، ولكنه تحوّل بعد فترة إلى خلاف ذلك.

 

النظام الاشتراكيّ:

جاء النظام الاشتراكيّ بثورةٍ على النظام الرأسماليّ؛ لما رأى فيه من السيطرة على جميع عوامل الإنتاج، وإجحاف حقوق العمّال، والاستحواذ على جميع مقدّرات الدولة، مع انخفاض مستوى الضرائب، مقارنة بما يحصلون عليه من خدمات، ونفقات عامّة، وسيطرة الرأسماليّة بما يتنافى والمصلحة العامّة.

وكان لا بد من امتلاك الدولة لجميع عوامل الإنتاج؛ لتعظيم دورها، والعمل على تحقيق عدالة التوزيع، على جميع المواطنين، وظهرت فكرة المشروعات العامّة الضخمة، ورافق ذلك أيضًا ظهور فكرة التعاونيّات، مثل التعاونيّات الزراعيّة، والاستهلاكيّة، وغيرها؛ للإستفادة من النظام الرأسماليّ على الطريقة الاشتراكيّة.

 

الخصخصة هي الحلّ

مع التطبيق العمليّ على أرض الواقع لكل من الأنظمة السابقة، ظهرت مساوئ جمة، ربما تفوق ما كان يطمح إليه المنظّرون الاقتصاديّون لتلك الأنظمة، فحاول النظام الاشتراكيّ القضاء على مساوئ الإقطاع والرأسماليّة، فاستفحل الأمر سُوءًا؛ حيث أُهدرت المقدّرات العامّة، وتبع ذلك سوء الإدارة، وظهور البيروقراطيّة العقيمة، وتضخُّم الجهاز الإداري للدولة، فكان نظام الخصخصة هو طوق النجاة الاقتصاديّ.

 

فكرة الخصخصة

بالنظر إلى الإدارة العامّة نجد أنها يتنازعُها أمران؛ إدارة الأصول العامّة، وإدارة الإنفاق العامّ، وكلّ هذا يتمّ من خلال الموظّف العامّ أيضًا.

فبالنسبة لإدارة الأصول، تبيّن أن القطاع الخاصّ أثبت نجاحًا منقطع النظير في إدارة هذا المجال، من خلال إدارته لمشاريعه الخاصّة، وتحقيق معدّل عائد أكبر بكثير جدًّا، عمّا يحقّقه القطاع العامّ في نفس المجال على تلك الأصول، فبزغت فكرة الخصخصة، وهي:

  • بيع 100٪ من أسهم بعض المشروعات المملوكة للدولة، للقطاع الخاصّ، والتي لا تمثّل نشاطًا سياديًّا، والتي تحقّق خسائر تتحملها الدولة في النهاية؛ للتخلص من تلك الخسائر، وتخفيف الحِمل عن كاهل الدولة.
  • بيع نسبة أقلّ من 50٪ من أسهم بعض المشروعات العامّة، التي ترتبط بالمصالح السياديّة، مع الاحتفاظ بحقوق الشريك المالك للنسبة الأكبر من 50٪، وفقًا للقانون، وبذلك تكون قد حقّقت الدولة أرباحًا أكثر من 50٪، والتي تفوق في قيمتها نسبة 100٪ من الأرباح في ظلّ الإدارة العامة.
  • الاحتفاظ بالمشروعات السياديّة، التي ترتبط بشكل مباشر بسيادة وهيبة الدولة.

 

النتائج المترتّبة على الخصخصة

لقد ترتّب على اتّباع نظام الخصخصة من النتائج الهامّة، التي نتناول أهمّها في الآتي:

  • التخلّص من عبء خسائر المشروعات غير الحيويّة، والتي تُرهق الميزانيّة العامّة للدولة.
  • الحصول على مصادر تمويل كبيرة، بدون تكلفة ماليّة، أو أعباء ديون، وذلك من حصيلة أثمان المشروعات، والأسهم المباعة، وتوجيهها للإنفاق العامّ.
  • تفرّغ الدولة للإدارة العامّة، وخدمة المواطن.
  • الحدّ من تضخّم الجهاز الإداري للدولة، ومن تكاليفه الباهظة.
  • الحدُ من البيروقراطيّة، والنهوض بمستوى الخدمة العامّة.

 

لا أحدٌ يستطيع أن يُجادل في أنّه لكل نظامٍ اقتصاديٍّ جديدٍ، أعباء وضحايا اجتماعيّة، فهذه حتميّة اقتصاديّة تفرضها المصلحة العامّة، ولكن بالنظر من الوِجهة التي تُعلي من مصلحة الدولة العامّة، والتي تعود في النهاية على المواطن بالخير مستقبلًا، نجد أنّ الخصخصة هي أولى خطوات هذا النجاح لهذا المستقبل.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *