شيخ الإسلام ابن تيمية

شيخ الإسلام ابن تيمية

 يزخر تاريخ وسير العلماء والنبلاء بالعديد من الأسماء، التي كانت منارات علميّة لزمانها، ومع مرور الوقت، طُمرت تلك الأسماء في بطون أمهات الكتب، ولم يعد يعلم عنها الكثير من الناس إلا النذر اليسير، أثناء ورود أسمائها في مرور عابر في بعض المناسبات، كما يزخر أيضًا بالأسماء التي شكّلت التاريخ والفكر الإنسانيّ، ولها كذلك من الأثر الفكريّ السابق لزمانها، ما يجادل واقعنا المعاصر بما تتفق أو تختلف معه من فكر، ومن أبرز هؤلاء العلماء والمفكرين، شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو موضوع مقالنا فتابعونا.

 

مولده ونشأته

يكون للبيئة من الأثر الأكبر على تشكيل فكر ووعي الإنسان، ما لا يكون من أثر قد اكتسبه من صفات وراثية من ذكاء وفطنة، ولكن ما بالنا إذا اجتمعت البيئة الطيبة والصفات الوراثيّة المكتسبة، من ذكاء وفطنة معًا في آن واحد، لشخص واحد، ألا وهو شيخ الإسلام أحمد بن تيمية.

اسمه هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحرانيّ، وكنيته أبو العباس، وقد لقّب بابن تيمية، نسبة إلى لقب من ناحية أمه، ولد عام 661ھ – 1263م، بمدينة حران، وهي مدينة تاريخية  تقع على أطراف العراق قديمًا، وتضمها الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا حاليًا.

 وهي المدينة التي استقر بها نبي الله إبراهيم- عليه السلام- بعد أن هاجر من بلدة “أور”، وفقًا لرواية التوراة، وكانت تسمى عند الرومان بمدينة “كاراهاي”؛ لأهميتها الجغرافيّة بالنسبة لهم، والتي كان لها عظيم الأثر في تشكيل شيخ الإسلام ابن تيمية في طفولته.

 

ولد ابن تيمية لأبوين مشهود لهما بالعلم والتقوى؛ فأبيه كان فقيهًا حنبليًا، ذو مكانة في قومه، وأمه ست النعم بنت عبدالرحمن الحرانيّة، مشهود لها بالعلم والتقى والورع أيضًا، فترعرع لأبوين عالمين محبًا للعلم، وعلى أثرة من قومهما، فتعلّم الطفل العلم في أكناف التقوى.

ثم هاجر مع أبويه إلى دمشق، مركز الإشراق العلميّ آنذاك، وميدان المناظرات العلميّة والفكريّة على كافة المشارب؛ حيث كان والده يدرّس بالجامع الأموي، ودار الحديث؛ مما جعل من ابنه أحمد فقيهًا وخطيبًا مفوّها، ومفتيًا عالمًا بشئون دينه ودنياه.

كما كان أيضًا رجلًا وطنيًّا، في مقدمة الجند؛ لمواجهة غزو التتار لوطنه، والانتصار عليهم؛ مما اضطرهم لمهادنته وجنوده على السلم.

 

تحصيل العلم عند ابن تيمية

قام ابن تيمية بتحصيل العلم منذ نعومة أظافره على يد أبويه، فحفظ القرآن في وقت مبكر، وتعلّم اللغة وأصولها، والحديث، والتفسير، ثم بعد ذلك على يدي شيوخه: ابن نعمة المقدسيّ، ومحمد بن قدامة، وشرف الدين أبو العباس الشافعيّ، وغيرهم، حتى صار فقيهًا محدثًّا، وهو لم يتجاوز السابعة عشر من عمر.

وبعد أن توفى والده سنة 682ھ، قام هو بالتدريس بالجامع الأموي، ودار الحديث، والمدرسة الحنبليّة، حتى ذاع سيطه بين العلماء والفقهاء، وأصبح مفتيًا لدمشق، يرجع إليه أهلها في أمور دينهم.

 

تلامذة ابن تيمية

تتلمذ وتخرّج على يدي ابن تيمية علماء أجلّاء ، في التفسير، والتاريخ، والحديث، والفقه، ولازال العلماء وطلاب العلم، ينهلون من علومهم تلك حتى يومنا هذا، ولا ندري أيهم يفخر بالآخر، أنه أستاذهم ومعلمهم، أم أنهم هم من تلامذته.

ومن هؤلاء، أبي الفداء الحافظ ابن كثير، صاحب التفسير المشهور، وكتاب التاريخ المطوّل البداية والنهاية، وغيرها من المؤلفات، وابن القيم الجوزية، صاحب زاد الميعاد، والحافظ الذهبي، صاحب سير علماء النبلاء، وابن قدامة، صاحب المغني في الفقه، وغيرهم كثير.

 

مؤلفات ابن تيمية

تعدّ مؤلفات ابن تيمية مرجعًا للعلماء، ومن أمهات الكتب الموسوعية، والتي بلغت ما يربو عن 330 مؤلّفًا؛ حيث تمّ بحث العديد منها في رسائل الدكتوراة في عصرنا الحديث، ومن أشهر تلك المؤلفات:

  • فتاوى ابن تيمية، وتبلغ 37 مجلدًا.
  • بيان تلبيس الجهميّة، وتمّ بحثه ومناقشته في ثمانِ رسائل دكتوراه.
  • الجواب الصحيح.
  • درء التعارض.
  • منهاج السنة، وغيرها الكثير.

 

يعدّ ابن تيمية محلّ جدل لكثير من العلماء، لغزارة علمه، وسعة انتاجه العلميّ، وعظم شأن تلاميذه من بعده، وما أثرى به المكتبة العربية من مؤلفات، ومواقفه التاريخية، وثبوته على الحق، والتي كانت سببًا في سجنه أكثر من مرة، حتى توفى به سنة 728ھ- 1328م، فمات ابن تيمية، ولازال فكره حيًا بين العلماء، يجادلهم الرأي، الحجة بالحجة، فكان اختلافهم رحمة، وصدق من سماه بشيخ الإسلام.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *