تعريف السلام ؟ وأهم أركانه ومعوقاته

تعريف السلام

قبل الولوج فى هذا المعنى العريض الذى تشتمل عليه هذه الكلمة، تجدر الإشارةُ إلى أن السلام هو سقف الطموح البشريّ وذروة سنام الآمال الإنسانيّة؛ فبلوغ تلك الحالة من السكينة والطمأنينة على المستوى الفرديّ والجماعيّ، هو أثمن ما تسعى إليه البشرية، ولن يتحقّق انسجامٌ لعالمٍ يعجُّ بالصراعات، ويمتلىء بالمشاحناتِ، والإنكفاءِ على الذات، دون النظر فى مصلحة الآخرين.

إن السلام ليس سلوكًا فرديًا فحسب، بل هو سلوكٌ ينبغى أن يكون عالميًّا مادام الهدف الأساسيّ لكل العالم مجتمعًا، ولكل فرد على حدى، هو تحقيق السكينة النفسيّة والانسجام الروحىّ، وللأهمية القصوى لمفهوم السلام، سوف نتناوله بالتفصيل في هذا المقال، فتابعونا.

 

تعريفات السلام

لما كان السلام كلمة فضفاضة واسعة الدلالة؛ كان لها تعاريفٌ شتّى، نذكر منها ما يلي:

 

التعريف اللغويّ للسلام

السلام مصدرٌ للفعل سَلِمَ؛ وتتعدد التعريفات اللغويّة للسلام، حسب السياق الذي توضع فيه الكلمة، فيقال سلم فلان أى نجا وأفلت من المكروه، وسلم الرجل من الآفات يعني تخلص مما يشينه، ونجا مما يعيبه، وسَلِم للرجل مراده؛ أى بلغه ووصل إليه دون أن تعيقه عثرة.

 

السلام فى الشرع:

يتعدد مفهوم السلام في الشرع، فيأتي تارة بمعنى المسالمة، أي اللاحرب، واللاعدوان على حقوق الآخرين، وتارة أخرى يأتي بمعنى التحيّة؛ فهو تحيّة أصحاب الجنة، لقوله تعالى «تحيتهم يوم يلقونه سلام»، وكذا فهو تحيّة أهل الإسلام فى الدنيا؛ فيقول المرء لأخيه السلام عليكم، وكأنه أراد أن يقول: لك يا أخى منّي السلامة فلا تخشَ أن ينالك مكروه من قِبَلي، ويكون رد السامع بمثلها أو بأحسنَ منها.

وتقال هذه اللفظة عند الخروج من الصلاة، وكذلك هى اسم من الأسماء الحسنى لله تعالى، وهى منزلة من منازل الصالحين فى الجنة لقوله تعالى «لهم دار السلام عند ربهم».

 

والإسلام برمته مشتقّ من السلام، فكأن المعنى أن دينكم أيها المسلمين هو دين السلام، فسلامٌ تجدونه فى صدوركم تجاه إخوانكم، وسلام تُلقونه على أهليكم عند لقائهم أو فراقهم، وسلام ستجدونه عند دخول الجنة، وسوف تُحيّون بعضكم فيها أيضا بالسلام، فربكم الذى بلّغكم هذا المنزل هو السلام، الذى برء من كل نقيصة، وتعالى عن كل عيب، وقد سلمتم من بطشه ونقمته وعذابه، فمنذ مهدكم إلى اللّحد وإلى الجنة أنتم فى سلام.

 

السلام الذى هو نقيض الحرب

يشيع مفهوم السلام في الخطاب السياسي،ّ على أنه نقيض أعمال الشغب والإرهاب، والنزاع الطائفيّ والسياسيّ، والصراع على المال، والتنافس الشرس على الدنيا، والتكالب عليها؛ وكلها أشكال متنوعة من اللاسلام، أو الحرب النفسيّ المعنويّ، أو الماديّ، بالسلاح ومن آلات الحرب.

وبناء على ما أسلفنا:

فإن السلام هو تلك الحالة النفسيّة المرجوّة من الانسجام، يسعى إلى تحقيقها الأفراد والمجتمعات، وذلك بخلق أنماط من القوانين والإتفاقات المشتركة ؛ لبلوغ الاستقرار والهدوء، الذى ينعكس بدوره على إنتاجيّة الأفراد والمجتمع، والسلام النفسيّ الذى يحظى به أفراد الشعوب.

 

وعلى هذا فليس يستتبع تعريف السلام إنتفاء وجود الاضطرابات بالكليّة، فإنّ القلاقل والعثرات إذا لم توجد فليس ثمة مجال للحكم على الأمر بالسلام، فإن الأشياء إنّما تتميز بالضّد، فإذا وجدت الاضطرابات، ووجد معها رغبة صادقة من جميع الأطراف المتنازعة فى تحقيق الاستقرار والهدوء، فيمكن نعت هذه الحالة بالسلام أيضًا.

 

أركان السلام:

إن قوام السلام فى مجتمع ينبني على الإدارة السياسيّة الناجحة، والتى إذا غاضت فقل على السلامِ السلام، ومن أهمها:

التعامل المُنصف مع التعدديّة

فالطبيعى أن كل كيان مجتمعيّ سوف يشتمل أعراقاً مختلفة، وأديانًا متفاوتة، ومذاهب شتى، ومناهج تفكير متضاربة، وهناك تسلك الإدارة السياسيّة لهذه التعددية أحد نهجين:

  1. إما الإنصاف: وإعطاء كل ذى حق حقه، وعدم تعصّب الإدارة الحاكمة لمذهبها، ومن ثَمّ يسود السلام ويعمّ الانسجام، ويمارس كل ذى شريعة شريعته، دون عدوان أحد على أحد.
  2. وإما الجور والإنحياز: ومحاولة فرض رؤية، أو معتقد بالقوّة، وهذا هو ما يهدم السلام.

 

الاحتكام إلى القانون

فالقانون الذى يسرى على عرق هو هو الذى سيسرى على العرق الغريم، إنها الإستسلام لمبادىء العدالة التى تنطبق بحيادية مطلقة على الجميع.

 

الحكم الرشيد

والذى ينطوي على الاستقامة والرشد فى كل شىء، فيقوم بالسعي فى نهوض المجتمع، وإنشاء المشاريع، وتطوير التعليم، والارتقاء بالصحة، إلى غير ذلك، ومن ناحية أخرى، فإن على الحكم الرشيد أن يكون قائمًا على مبدأ الثواب والعقاب، فإن المجرم متى أِمن العقاب طغى وأفسد وأشر وسعى فى الأرض فسادًا، فيهيض بصنائعه السيئات، صرحُ السلام، ويتقوض بنيانه.

 

معوّقات السلام

لن يتحقّق السلام الكامل لأمّة أو مجتمع، إذا توافرت فيه بعضُ هذه المعوقات أو جميعها:

  1. الصراعات الكبرى بين الدول العظمى، التى تمثّل أقطاب العالم، وامتلاك حقّ النقض لدى مجلس الأمن لهذه الدول العظمى دون غيرها؛ وما يترتب على ذلك من إيثار مطامعهم الخاصّة على مصلحة العالم بأسره.
  2. التعصّب لدين أو لعرق أو للون؛ كفيلٌ أن يهتك أواصر المودة بين الأفراد والقبائل والشعوب بعضِهم مع بعض، فالانتماء لدين أو مذهب لا يعنى الحجر على أرباب المذاهب الأخرى.
  3. الأطماع التى تبنيها الدول الكبرى لتمتص دم الشعوب الأخرى، ولتكون لها اليد الطولى عليها، وتسمّي صنيعها بالاستعمار، والأصل أنه الخراب المحقّق والاحتلال البيّن.
  4. إتساع الهوّة الاقتصادية بين الدول؛ فالدول الكبرى تمتلك ما يربو على حاجاتها الثانوّية، والدول الأخرى لا تجد ما يلبّي حاجاتها الأساسّية؛ مما يثمر الحقد الطبقى فى قلوب الدول الفقيرة، ويمتنع على أثره تحقّق السلام.

 

وفى النهاية على كل إنسان أن يعيد النظر فى حياته؛ لينظر هل هو يحيا فى سلام وانسجام داخليّ، وسكون ضمير، وهدوء نفسيّ، ثم عليه أن ينظر بعد ذلك إلى تطبيقه لمفهوم السلام مع قرنائه، وشركائه فى الأرض والوطن، وليعلم أن السلام هو أسمى حُلم، يمكن أن تشرأب إليه أعناق الناس، فعليه أن يسعى إلى بلوغه.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.