تعريف البحث العلمي

تعريف البحث العلمي

لم تشهد البشريّة منذ نشأتها الأولى نهضة علميّة، كالتي شهدها عصرنا الحديث، وما تنعَّم زمانٌ بفتوح العلم وكشوفه، كما ننعم نحن الآن، ولكنّ هذه الاكتشافات، والاختراعات، والابتكارات، التي نرفل اليوم فى أعطافها لم تكن وليدةَ الصدفة، ولا نتاجَ التقاعس، وإنما هى نتيجة حتمية- بعد توفيق الله تعالى- لجهدٍ مضنٍ، وبحثٍ متابعٍ، وَنفَسٍ طويلٍ، أنفقه العلماء والباحثون؛ سعيًا وراء طلب المعرفة، ولهثًا خلف سبر أغوار الأمور، والوقوفِ على عِلّاتِها وأسبابها، ويمكن وصف تلك المساعي والجهود بالبحث العلمي، وهو ما سوف نتناوله في مقالنا هذا، فتابعونا

 

مفهوم البحث العلمي

يمكن جمع شتات التعاريف المتناثرة للبحث العلمي بتعريفه على أنّه: “تلك الآلية التى يستخدمها الباحث والخطوات التى يتتبعها، من أجل دراسة علم معين، بهدف الاستقصاء، والتمحيص الدقيق، ومن ثَمّ استنباطِ القوانين ووضعها في صورة نظريات، يمكن الرجوع إليها بعد ذلك؛ من أجل استخدامها والإفادة منها”.

وإمعانا فى توضيح جوانب هذا التعريف الذى يبدو غائما؛ فإليكَ هذه النقاطَ المحدّدة المنسجمة تحت التعريف السالف:

  • يمكن وصف البحث العلمي بأنه منهجيّة متّبعة أو أسلوب منظّم، يختصّ بدراسة فرع معين من العلوم.
  • ويكون ذلك بجمع المعلومات من طرائقها الكثيرة، حول فرضيّة معينة، ثمّ تدوين هذه المعلومات فى صورة ملاحظات محدّدة.
  • وأن الهدف من وراء جمع المعلومات، هو تأكيد صحة هذه الفرضية أو تخطأتها، أو ربما تعديلها بالإضافة عليها، أو الحذف منها.
  • حتى إذا ما تمّ للباحث ذلك، فعسى أن تُضيف هذه المعارف الجديدة، المصاغة من قبل الباحث للعلم شيئًا جديدًا.
  • فربما قام بصياغتها إلى قوانين محدّدة، أو نظرياتٍ محتملة، ومن ثمّ القياس عليها فى المستقبل، فيما يعترض العلم من صور مشابهة.
  • وتكون نتيجة كل ما ذكرنا؛ الإلمام بمعارف جديدة، واستنباط قوانين ونظريات حديثة، والتنبوء بحدوث أمور بأعيانها أو استبعاد ذلك، وإيجاد الكثير من الحلول للمشكلة التى تعترض العلم فى هذه الجزئية من البحث.

 

أشكال البحث العلمي

إذا أُفردت كلمة البحث بالذكر، ولم يتبعها تخصيص بوصف العلمي، فقد ينصرف إلى أى مجالٍ من مجالات البحث؛ فهنالك البحوث الاجتماعيّة، والبحوث الإنسانيّة، والبحوث الفنيّة، والبحوث فى مجال الاقتصاد والعمل والمال، والبحوث الأدبيّة، إلى غير ذلك.

أما البحث العلمي تحديدًا، فينصرف إلى ذلك البحث المختصّ بالعلوم العلميّة؛ كالطب، والفلك، والكيمياء، والبيولوجيا، والفيزياء، والكيمياء، والهندسة، والوراثة، والذرة، والجزيئيات، وغيرها مما يستهدف بشكل رئيس الوصول إلى اكتشافات أو اختراعات كبيرة، تخدم العلم وتحقق النفع والثراء للبشريّة والأمم قاطبة.

 

أهمية البحث العلمي

على المستوى الفرديّ؛ فإن البحث العلمى يقوّم شخصيّة الباحث، ويجعل منه شخصًا مرتبًا ومنظّمًا فى سلوكياته، ويغرس فى خلايا عقله طريقة تفكيريّة منظّمة خلّاقة، تعمل بدورها على زيادة مداركه، واتساع أُفقه، وتكسبه مقدرةً أكبر على التعامل مع المشكلات، وإيجاد الحلول العديدة لها، كما أنها تضفي عليه الاعتماد على الذات والتحكّم فى نفسه، إلى غير تلك المزايا الكثيرة.

أما على مستوى الأمم والجماعات، فإنه السبيل الأرشد والطريق الأوحد لإرتقاء الأمم ونهضتها، فبه تُعرف حقائق الكون، وتنجلي خفايا النفس البشريّة، وتكتنف مغالق الفلك والآفاق، وتنسبر الأغوار السحيقة لتلك النفس البشرية، إن مجتمعًا لم يضع البحث العلمي فى أعلى مصافّ أولوياته، كفيلٌ أن يغيض إلى مدارك الهلكة، ومزالق الفشل المحقّق.

 

مراحل نشوء البحث العلمي

بإجمال شديد يمكن عَزو تطور البحث العلمى إلى المراحل التالية:

  • فى القرن ١٩ تمّ استخدامه لأول مرة، على يد عالم النفس إرنست فيبر.
  • فى القرن العشرين سار عدد كبير من العلماء على غرار الخطوط العريضة، التى أسّسها العالم السابق، واعُتمد بشكل كبير فى هذه الفترة على ما يسمى بالإحصاء الوصفي.
  • ثم ظهر الإحصاء الاستنتاجيّ بعد ذلك، حتى وصل البحث العلمي إلى أعلى أطوار نضوجه فى العصر الحديث.

 

إن البحث العلمي قد غدا اليوم هو السبيل الوحيد إلى نهوض الأمم من كبوتها، والإفلات من أغلال الإستكانة إلى إمتلاك أزِمّة القواعد، وتُعزى تلك الإخفاقات المتتابعة على الأمم الفقيرة والمتخلفة والنامية فى الأغلب، إلى هجر البحث العلمي، ووضعه فى ذيل قائمة الاهتمامات، وإن هم يستمروا على نفس طريقتهم وينتهجوا نفس مسالكهم، فستفلت الأمور من قبضتهم، وتتسع الهوّة بينهم وبين الدول المتقدمة، وعندها سيتأسفوا ويتحسروا، ولات حين مناص.

 

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *