تعرف عن سيرة ابن كثير ، ونشأته وأهم مؤلفاته

سيرة ابن كثير

لم يحظ دين من الأديان مثلما حظي الإسلام باهتمام أهله به، بل ونال اهتمام الناقمين عليه أيضًا على حدٍ سواء، ولكن شتّان ما بين الغرضين، فقد عكف أهله الأوائل على حفظ كل ما يُسمع من النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو أيّ تصرُف من تصرّفاته في الحياة اليوميّة والسياسيّة، و تتوارثه الأجيال وتتناقله – شفاهة ، إلا النذر اليسير منه- جيل بعد جيل، ثم جنحوا بعد مضيّ فترة من الزمن إلى كتابته؛ خوفًا عليه من الضياع بعد موت حافظيه، لأيّ سبب من الأسباب، وأولئك كانوا رجالًا عظماء، حملوا على عاتقهم أمانة رسالة النقل والتفسير لما غُمّ على البعض، ومن هؤلاء الرجال شخصيّة موضوعنا وهو ابن كثير، فتابعونا.

 

مولده ونشأته

هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، والملقّب بابن كثير، ولد سنة 704ه‍ -1305م، وهو القول الراجح، كما ورد في مقدمة البداية والنهاية، بقرية (مجدل) بسهل حوران- درعا الآن- بدمشق، وتوفي أبوه وهو صغير، له سنتان من عمره، فتولّاه أخوه كمال الدين، وتولّى تربيته؛ فسافر به إلى مدينة دمشق فنشأ وترعرع هناك؛ حيث كانت منارة العلم آنذاك.

فحفظ القرآن الكريم صغيرًا وهو ابن عشر سنين، وتتلمذ على فقه الشافعيّة، وحفظ متن الشافعيّة المجموع في (التنبيه)، والمختصر لابن الحاجب، واعتنى بدراسة العلوم الشرعيّة، والتاريخ، والتفسير، وخلال ذلك تزوّج من ابنة شيخه في الحديث (المزّيّ)؛ مما سيكون له ذلك من عظيم الأثر في تعلّمه الحديث.

 

شيوخ ابن كثير

تتلمذ ابن كثير على يديّ رجال عظام في علوم الدين وأحكامه، وسوف نتناول بعضًا منهم لكثرتهم؛ حيث أنهم يربون عن أربعين شيخًا، وذلك فقًا لفروع العلم على النحو الآتي:

  • القرآن الكريم: حفظ القرآن الكريم عن شيخه ابن غيلان الحنبليّ، وأتمّ حفظه وهو ابن عشر سنين كما ذكرنا، ثمّ تعلّم القراءات المعتبرة على يد شيخه محمد بن جعفر.
  • النحو: تتلمذ وأخذ النحو على يديّ ضياء الدين الزرينديّ، وابن المنتزه.
  • الحديث: سمع وتعلّم الحديث على يديّ كل من ابن الزراد، وابن الشحنة، والآمديّ، والمزّيّ، وابن عساكر، وابن الرضيّ.
  • الفقه: تعلّم الفقه عن ابن تيمية، وكمال الدين ابن قاضي، وبرهان الدين الفزاريّ، وهم شيوخ الفقه الشافعيّ بدمشق.
  • التاريخ: تلقّى علم التاريخ عن شيخه عَلَم الدين البرزاليّ، وابن الزملكان، والذهبيّ، وابن قاضي سهلة، والمقدسيّ، والعسقلانيّ، وغيرهم الكثير والكثير.
  • التفسير: إنّ للتفسير مَلَكَة خاصّة عند صاحبه لا تتوافر لغيره- والتي كان يتمتّع بها ابن كثير- ولكن يجد من رؤية غيره في التفسير ما يعينه على اكتساب رؤية جديدة، فكان من هؤلاء ابن الشحنة، والفزاريّ، والزملكانيّ، والشيرازيّ، وابن عساكر، وغيرهم.

 

مؤلّفات ابن كثير

إنّ لابن كثير العديد من المؤلّفات المتنوّعة، فقد كان عالمًا جامعًا في جميع تصانيف العلوم الإسلاميّة، ويمكن تناول بعضا منها في الآتي:

التفسير المشهور باسم “تفسير ابن كثير”: وهو تفسير يتّصف بسلاسة اللغة، وسهولة معانيها، ويحتوي على الكثير من المواقف التاريخيّة، والتعليقات النحويّة، والتنويهات الفقهيّة في مواضعها، والاستشهاد بكثير من الأبيات الشعريّة، التي تعدّ وعاءً ومرجعًا للغة، وكذلك الاستشهاد ببعض الكتب السماويّة، في مواضع معينّة للاستئناس بها، كما أشار هو إلى ذلك.

موسوعة البداية والنهاية: وهي موسوعة تاريخيّة بمعنى الكلمة، وهي مرتبة ترتيبًا تاريخيًّا منطقيًّا؛حيث بدأ ببداية الخلق، والفترة السابقة على الإسلام، ثمّ فترة البعثة، ثمّ الملاحم والفتن، انتهاءً بما سيكون من أمور وأحوال الآخرة.

جامع المسانيد: وهو مؤلّف جامع لمؤلَّفيّ شيخيه المزيّ والذهبيّ، وهو كتاب في الجَرح والتعديل لمعرفة الثقات، وضعيفي الأسانيد.

البعث الحثيث: وهو مصنّف في علوم الحديث، ويعدّ من أوائل الكتب المرجعيّة للباحثين في هذا المجال.

السيرة النبويّة: وهو مصنّف مختصر لموسوعة البداية والنهاية، ولكنّه مقصور على البعثة النبويّة ذاتها.

طبقات الشافعيّة: وهو كتاب متعلّق بالفقه الشافعيّ وطبقاته، ويعدّ أيضًا مرجعًا ذا أهمية في الفقه الشافعيّ.

مُسند الشيخين: إشارة إلى أبي بكر، وعمر، وهما مؤلفان، لكل واحد منهما مؤلّف خاصّ به، ويحتوي على الأمور الفقيّة في حقبة هذين العَلمَين.

وهناك كتاب مفقود في شرح البخاريّ؛ لما ورد عنه من إشارات في بعض مؤلّفاته، وهناك العديد من المؤلّفات ما يضيق المجال لذكرها.

 

وفاته

لقد عاش ابن كثير حياة علميّة زاهرة خصبة، أمدّ فيها الأمّة الإسلاميّة بكنوز ثمينة، كلّما تنقّل فيها الباحث وجد فيها ما هو أثمن، وتوفي عن عمر يناهز السبعين عامًا؛ حيث توفي في آخر شهر شعبان لسنة 774ه‍ – 1373م بدمشق، ودفن بها بجوار أحد مشايخه ابن تيمية.

قليل من الزاد يكفي ولكن كثير من العلم لا يُغني، فهذا شعار رفعه العلماء الأوائل، فما إن أتقن أحدهم فنًّا من فنون العلم، حتّى شرع في الآخر، لا يوقفه عن ذلك إلا الموت، وابن كثير كان واحدًا فريدًا من هؤلاء.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *