[بحث] ابن سينا ، نشأته وأهم إنجازاته ومؤلفاته

ابن سينا

أجمع كثيرٌ من الباحثين على أنّ السبعة قرون الأولى للهجرة النبويّة الشريفة، هي الفترة الذهبيّة للأمّة الإسلاميّة، والتي شهدت نوابغ أبنائها في مختلف العلوم الطبيعيّة، والإنسانيّة، والتى بنيت عليها حضارات أخرى غريبة عن العربية، بل غريبة عن الإسلام عمومًا، ولازالت المراكز البحثيّة في مختلف الدول، تجري أبحاثها على الكنوز الإسلاميّة المدفونة في أمّهات الكتب لخيرة أبنائها، ومن هؤلاء العلماء البارزين ابن سينا، الذي سوف نتناوله بالبحث من خلال بحثنا هذا، فتابعونا.

 

مولده ونشأته

هو الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي، الملقّب بأبي علي بن سينا البخاريّ، ولد بقرية (أفشنة) بمدينة بخارى، التي هي (أوزبكستان) الآن، وذلك في عام 370ه‍ – 980م، وعاش وترعر بين أبويه القرويّين؛ حيث كانا يتّسمان بالمحافظة والعصاميّة، فنشأ عصاميًّا، محبًّا للعلم.

وساعده على ذلك نشأته ببخارى، التي اشتهرت بالعلم والعلماء، وتعلّم القرآن الكريم صغيرًا، والفقه، والحديث، وبعضًا من التاريخ، والجغرافيا، كما تعلّم العربيّة، والفارسيّة لغة أبويه، ودرس الأعشاب، وصناعة المركّبات من تلك الأعشاب.

 

نبوغ ابن سينا

كان ابن سينا محبًّا للعلم، عاكفًا عليه، يقضي وقته في البحث والعلم والاطّلاع على خلاف أقرانه، وساعده في ذلك سعة أفق والديه؛ حيث فرغانه للبحث والدراسة، وتنقّل ابن سينا طلبًا للعلم بين مدن الرِّيّ، وجرجانيّة، وجرجان، والأندلس، وهمدان.

وفي كل مدينة يحلّ بها كان يعكف على الدراسة والبحث، فدرس الفلك، والرياضيّات، والفلسفة، والفيزياء، وكان عالمًا مرموقًا في كل تلك العلوم، لكنه أحبّ دراسة الطبّ، وكانت دراسة الطبّ تصنّف من علوم الحكمة، فدرس علم أبقراط، وجالينيوس.

ولم يقف ابن سينا على الدراسة الوصفيّة للطبّ، بل أخذ بأسلوب البحث والتجريب، فدرس العلاجات ومصادرها الطبيعيّة؛ مما دفعه إلى دراسة الكيمياء، ولاسيما كيمياء الأعشاب، ومنافعها ومضارّها، وأجودها، وأفضل أماكنها، وهو ما يشبه علم الصيدلة حاليًا.

 

أهمّ مؤلّفاته

عكف ابن سينا على دراسة الطبّ، ووصْف الأمراض، ووضْع العلاجات الملائمة لها، ولم يأخذ هذا ارتجالًا، ولكنّه كان يدوّن ملاحظاته واكتشافاته، وما يتبع علاجاته من الأعراض التي ترافق هذه العلاجات- الآثار الجانبية- فألّف كتاب (القانون في الطبّ).

وظلّ هذا الكتاب العمدة في هذا المجال، وظلّ مرجعًا علميًّا لأوروبا في علم الطبّ، حتّى القرن السابع عشر، ومازالت تتزيّن به مكتبات جامعات أوروبا حتّى اليوم، وكذلك ألّف كتاب الشفاء، الذي ضمّنه علاجاته التي اكتشفها أثناء بحثه في الأمراض وعلاجاتها.

ويعتبر كلٌ من كتابي القانون والشفاء وجهين لعملة واحدة؛ حيث يصف في الأوّل الأمراض ومظاهرها، ويصف في الثاني العلاجات اللازمة لتلك الأمراض، وهو ما نعرفه الآن بكليتيّ الطبّ والصيدلة، وهو أوّل من وصف الأمراض وصفًا دقيقًا، مثل التهاب السحايا، واليرقان، وحصوة المثانة.

ويعدّ ابن سينا أوّل من أشار إلى العلاقة بين الحالة النفسية، وأثرها في سرعة الشفاء، كما ألّف كتاب الإشارات والتبيهات، والذي ضمّنه فلسفته عن الأديان، وله أكثر من مائتي مؤلّف، ولكن ما ذكرنا هو أشهرها.

 

أبرز العلماء في شخصيّة ابن سينا

تأثّر ابن سينا بالعديد من العلماء الذين درس على أيديهم، ومن تعلّم من كتبهم، مثل الفيلسوف أبو عبدالله النائلي، المعلم الأول له، والذي ترك في نفسه ما لم يترك غيره، وظهر ذلك جليًّا في فلسفة ابن سينا، كما تتلمذ على كتب أبقراط، وأفلاطون، وجالينيوس، والبيروني، والرازي، والكِندي، والفارابي.

 

فلسفة ابن سينا بين الأخذ والردّ

لا يجحد أحدٌ مكانة ابن سينا العلميّة، وخاصة في مجال الطبّ، والذي لا يباريه فيه أحد، ولكن هناك بعض المآخذ الفلسفية التي أخذها عليه بعض المفكرين، كالإمام الغزالي الذي انتقد حَذوه لبعض الفلاسفة، الذين تتعارض فلسفتهم مع الفلسفة الإسلاميّة، كأرسطو، والفارابي، وعبد الله النائلي، عن نظرتهم للآخرة، وماهيّة اعتقاد البعث والحساب، لما أورده في كتابه الإشارات والتنبيهات.

وقد قام بالردّ على كلّ تلك الفلسفات المتأثرة بالفلسفة الإغريقيّة الأمام الغزالي، في كتابه تهافت الفلاسفة، ما يغنينا عن عبء إثارتها والردّ عليها، خاصة وأنّه عدل عما أورده بمؤلفاته الاعتقاديّة في آخر حياته، ولكن المنيّة لم تمهله تصويب ذلك كتابةً.

 

وفاة ابن سينا

لم يعمّر ابن سينا طويلًا؛ فقد عاش حوالي سبعة وخمسين عامًا؛ حيث مرض مرضًا شديدًا، ولم يطل به المرض، وفي تلك الفترة رجع عن كثير من أفكاره الفلسفية، التي تتعارض والمعتقدات الإسلاميّة الراسخة، وتصدّق بكلّ ما لديه وتاب إلى الله، ولمّا اشتدّ عليه المرض وأحسّ بالموت اغتسل، ولم يلبث بعدها قليلًا حتى توفي بمدينة همدان الفارسيّة سنة 427ه‍ – 1037م.

لقد ترك ابن سينا إرثًا عظيمًا من العلم- على الرغم من قصر حياته- والذي دام قرونًا نبعًا ينهل منه العلماء على مختلف مشاربهم، وسواء اتفقنا أم اختلفنا مع فلسفته وفكره، سيظلّ العالم مدينًا له بما قدّمه من علم، وعليه ما أخّر- فالله أعلم به.

التعليقات

أترك تعليق،..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *